ابن العربي
343
أحكام القرآن
اللّه عليه وسلّم : غطّوا بها رأسه واجعلوا عليه من الإذخر « 1 » ؛ فبدأ بالكفن على كل شيء . وروى الأئمة عن جابر أنّ أباه استشهد يوم أحد ، وترك ستّ بنات ، وترك دينا ، فلما حضر جداد النخل أتيت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فقلت : يا رسول اللّه ؛ قد علمت أن والدي استشهد يوم أحد ، وترك عليه دينا ، وإني أحب أن يراك الغرماء . قال : اذهب فبيدر « 2 » كلّ تمرة على حدة ، ففعلت : فلما دعوته وحضر عندي ونظروا إليه كأنما أغروا بي تلك الساعة ، فلما رأى ما يصنعون طاف حول أعظمها بيدرا فجلس عليه ، وقال : ادع أصحابك ؛ فما زال يكيل لهم حتى أدّى اللّه أمانة والدي . فقدّم الدّين على الميراث . وروى البخاري عن سلمة بن الأكوع قال : كنّا جلوسا عند النبىّ صلّى اللّه عليه وسلّم إذ أتى بجنازة فقالوا : صلّ عليها ، فقال : هل عليه دين ؟ قالوا : لا ، فصلّى اللّه عليه ، ثم أتى بجنازة أخرى فقالوا : يا رسول اللّه ، صلّ عليها . فقال : هل عليه دين ؟ قالوا : نعم . قال : فهل ترك شيئا ؟ قالوا : ثلاثة دنانير . فصلّى اللّه عليه . ثم أتى بالثالثة فقالوا : صلّ عليها . فقال : هل ترك شيئا ؟ قالوا : لا ، قال : أعليه دين ؟ قالوا : ثلاثة دنانير . قال : صلوا على صاحبكم . قال أبو قتادة : صلّ عليه يا رسول اللّه وعلىّ دينه ، فصلّى اللّه عليه ، فجعل الوفاء بمقابلة الدّين . ولهذه الآثار والمعاني السالفة قال علي بن أبي طالب - رواه الترمذي وغيره : إن النبىّ صلّى اللّه عليه وسلّم قضى بالدّين قبل الوصية ، وأنتم تقدّمون الوصية قبل الدّين . فإن قيل : فما الحكمة في تقديم ذكر الوصية على ذكر الدّين ، والدّين مقدّم عليها ؟ قلنا ؛ في ذلك خمسة أوجه : الأول - أن « أو » لا توجب ترتيبا ، إنما توجب تفصيلا ، فكأنه قال : من بعد أحدهما أو من بعدهما ، ولو ذكرهما بحرف الواو لأوهم الجمع والتشريك ؛ فكان ذكرهما بحرف « أو » المقتضى التفصيل أولى . الثاني - أنه قدّم الوصية ؛ لأن تسبّبها من قبل نفسه ، والدّين ثابت مؤدّى ذكره أم لم يذكره .
--> ( 1 ) الإذخر : الحشيش الأخضر ، وحشيش طيب الريح ( القاموس ) . ( 2 ) بيدر الطعام : كومة ، والبيدر : موضعه الذي يداس فيه ( القاموس ) .